ابن عربي

150

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

حتى إذا ما أمعنت * في القفر ثم درمت وردت قصرا منهلا * في جوفه طام خلا وعنده خيمة * في جوفها نعيمة غريرة كالشمس * فاقت جميع الإنس نعجت مهري عندها * حتى وقفت معها حيّيت ثم ردّت * في لطف وحيّت فقلت يا لعوب * والطفلة العروب هل عندكم قراء * إذ نحن بالعراء قالت نعم برحب * في لطف وقرب اربع هنا عتيدا * ولا تكن بعيدا حتى يجيك عامر * مثل الهلال الزاهر فعجت عن قريب * في باطن الكثيب حتى رأيت عامرا * يحمل ليثا حادرا على عتيق سابح * كمثل طرف اللامح قال : وكان الحجاج متكئا فاستوى جالسا ، ثم قال : ويحك دعني من السجع والرجز وخذ في الحديث ، قال : نعم أيها الأمير ، ثم نزل فربط فرسه وجمع حجارة ، وأوقد عليها نارا ، وشقّ عن بطن الأسد ، وألقى مراقه في النار ، وجعلت أصلح اللّه الأمير أسمع للحم الأسد تشديدا ، فقالت له نعيمة : قد جاءنا ضيف وأنت في الصيد ، قال : فما فعل ؟ فقالت : ها هو ذاك بظهر الخيمة ، فأومت إليّ فأتيتها ، فإذا أنا بغلام أمرد كأن وجهه دائرة القمر ، فربط فرسي إلى جنب فرسه ، ودعاني إلى طعامه فلم أمتنع من أكل لحم الأسد لشدة الجوع ، فأكلت أنا ونعيمة منه بعضه ، وأتى الغلام على آخره ، ثم مال إلى زقّ فيه خمر فشرب وسقاني ، فشربت ثم شرب الغلام حتى أتى على آخره . فبينما نحن كذلك إذ سمعنا وقع حوافر خيل أصحابي ، فقمت وركبت فرسي ، وتناولت رمحي ، وسرت معهم ، ثم قلت : يا غلام ، خلّ عن الجارية ولك ما سواها ، فقال : ويحك احفظ الممالحة . قلت : لا بد من الجارية . فالتفت إليها وقال لها : قفي وانظري فعلي في هؤلاء اللئام . ثم قال : يا فتيان ، هل لكم في العافية وإلا فارس لفارس ؟ فبرز إليه رجل من أصحابي ، فقال له الغلام : من أنت ؟ فلست أقاتل إلا كفؤا . قال : أنا عاصم بن كلبة السعديّ ، فشدّ عليه وأنشأ يقول : إنك يا عاصم بي لجاهل * إذ رمت أمرا أنت عنه نأكل